:Social

:RSS

إذاعة الفاتيكان

صوت البابا والكنيسة في حوار مع العالم

لغة:

الكنيسة / حياة الكنيسة

الإنجيل وقفة تأمل عند كلمة الحياة

الإنجيل وقفة تأمل عند كلمة الحياة - RV

23/02/2017 10:51

في ذلكَ الزّمان، قالَ يسوعُ لتلاميذِهِ: "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَعمَلَ لِسَيِّدَين، لأَنَّه إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلزَمَ أَحَدَهُما ويَزدَرِيَ الآخَر. لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال". لِذلكَ أَقولُ لكُم: "لا يُهِمَّكُم لِلعَيشِ ما تَأكُلون و لا لِلجَسَدِ ما تَلبَسون. أَلَيْسَتِ الحَياةُ أَعْظَمَ مِنَ الطَّعام، والجَسدُ أَعظَمَ مِنَ اللِّباس؟ أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ و لا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها. أَفَلستُم أَنتُم أَثمَنَ مِنها كثيرًا؟ ومَن مِنكُم، إِذا اهتَمَّ، يَستَطيعُ أَن يُضيفَ إِلى حَياتِه مِقدارَ ذِراعٍ واحِدة؟ ولماذا يُهمُّكمُ اللِّباس؟ إِعتَبِروا بِزَنابقِ الَحقل كيفَ تَنمو، فلا تَجهَدُ ولا تَغزِل. أَقولُ لكُم إنَّ سُلَيمانَ نَفسَه في أبهى مَجدِه لم يَلبَس مِثلَ واحدةٍ مِنها. فإِذا كانَ عُشبُ الحَقل، وهُوَ يُوجَدُ اليومَ ويُطرَحُ غدًا في التَّنُّور، يُلبِسُه اللهُ هكذا، فما أَحراهُ بِأَن يُلبِسَكم، يا قَليلي الإيمان؟ فلا تَهتَمُّوا فَتقولوا: ماذا نَأكُل؟ أو ماذا نَشرَب؟ أو ماذا نَلبَس؟ فهذا كُلُّه يَسعى إِلَيه الوَثَنِيُّون، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحتاجونَ إِلى هذا كُلِّه. فَاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه. لا يُهِمَّكُم أمرُ الغَد، فالغَدُ يَهتَمُّ بِنَفْسِه. ولِكُلِّ يَومٍ مِنَ العَناءِ ما يَكفِيه(متى 6، 24- 34).

للتـأمل

تدعونا الكنيسة في هذا الأحد، من خلال القراءات التي تقدمها لنا الليتورجية، لنستسلم بثقة لله الذي يحبنا حبًا والديًّا ويغمرنا بنعمه ويحفظنا. ففي القراءة الأولى من سفر أشعيا نقرأ: قالَت صِهيون: "تَرَكَني الرَّبّ ونَسِيَني سَيِّدي". أَتَنسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ ابنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ فأَنا لا أَنساك" (أشعيا 49، 4- 5). بينما نرنِّم في المزمور: "إِلى ٱللهِ تَسكُنُ نَفسي لأنّ مِن عِندِهِ خَلاصي... هُوَ صَخرَتي وَخَلاصي، هُوَ حِصني، فَلَن أَكونَ مُتَزَعزِعا" (مز 61، 2- 3. 6). نجد أيضًا في قلب ليتورجية هذا الأحد واحدة من الحقائق الأكثر تعزية: العناية الإلهية. ويقدّمها لنا النبي أشعيا من خلال صورة محبة الأم الممتلئة حنانا، ويقول هكذا: "أتنسى المرأةُ رضيعَها فلا ترحمُ ابنَ بطنِها؟ حتى ولو نسيتِ النساءُ فأنا لا أنساك" (49، 15). ما أجمل ذلك! فالله لا ينسانا، لا ينسى أحدا منا! فهو يذكر كل واحد منا باسمه ولقبه. إنه يحبنا ولا ينسانا، فما أروع هذا... تجد الدعوة للثقة بالله هذه توازيا لها في إنجيل متى: "انظروا إلى طيورِ السماءِ - يقول يسوع- كيف لا تزرعُ ولا تحصدُ ولا تخزُنُ في الأهراء، وأبوكُم السماويّ يرزقُها... اعتبروا بزنابق الحقلِ كيف تنمو، فلا تجهدُ ولا تغزِل. أقولُ لكم إن سليمانَ نفسَه في أبهى مجدهِ لم يلبَسْ مثلَ واحدةٍ منها" (مت 6، 26. 28- 29).

إن كلمات يسوع هذه، عندما نفكر بالأشخاص الكُثر الذين يعيشون في ظروف غير مستقرة، أو حتى في أوضاع بؤس يهين كرامتهم، قد تبدو مجردة، بل وغير واقعية. لكنها، في الحقيقة، آنية أكثر من أي وقت مضى؛ لأنّها تذكّرنا بأنه لا يمكن أن نخدم سيديْن: الله والمال. فما دام كل واحد يسعى ليكدس لنفسه، فلن تكون هناك عدالة أبدًا. أما إذا طلبنا معا ملكوت الله، متكلين على عنايته الإلهية، فلن يفتقر أحد لما هو ضروري للعيش بكرامة. إن القلب الذي يسوده جشع التملّك هو قلب ممتلئ من هذا الجشع، ولكنه فارغ من الله. لهذا نجد أن يسوع قد عاتب الأغنياء كثيرا، لأنهم معرضون أكثر من غيرهم لتجربة وضع ثقتهم في خيرات هذا العالم، وإفراغ قلبهم من الإيمان: فقلبهم مشغول بالمال، ولا مكان فيه للإيمان. أما إذا أعطينا لله المكان الذي يليق به، أي المكان الأول، فإن محبته تقتادنا لأن نتقاسم الثروات أيضًا، ونضعها في خدمة مشاريع التضامن والتقدم، كما تُظهر أمثلة كثيرة، ومعاصرة أيضاً، في تاريخ الكنيسة. وهكذا تمر العناية الإلهية عبر خدمتنا للآخرين، وعبر مشاركتنا معهم. فّإن قام كل واحد منّا بوضع ما يملك في خدمة الآخرين، فإن العناية الإلهية، في هذه الحالة، ستصبح منظورة عبر فعل التضامن هذا. أما إذا قام أحد بتكديس الأموال لنفسه فقط، فماذا سيحدث له عندما يصله نداء الله الأخير؟ لن يتمكن من حمل ثرواته معه، أتعرفون لماذا؟ لأن الأكفان بلا جيوب! فمن الأفضل مقاسمتها، لأننا سنحمل معنا إلى السماء فقط ما اقتسمناه مع الآخرين.

يدعونا يسوع اليوم قائلاً: "لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِلّهِ ولِلمال... لِذلكَ أَقولُ لكُم: "لا يُهِمَّكُم لِلعَيشِ ما تَأكُلون و لا لِلجَسَدِ ما تَلبَسون... أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ و لا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها. أَفَلستُم أَنتُم أَثمَنَ مِنها كثيرًا؟ إنها دعوة متجددة لنا، نحن أبناء هذا العصر، عصر العلم والتكنولوجيا والمال، لنعيد النظر بحياتنا وبخياراتنا... لأن من يختار المسيح، يؤمن بالحب ويختبر الحياة كعطيّة من الله الآب، ولذلك فهو إنسان حرّ ولا يمكن لأي شيء أن يكبله ويمنعه من عيش حياته وتحقيق دعوته بملئها. ومن يؤمن بالحب يختبر أن مصدر الحياة خصب دائمًا، وهذا ما يؤكده لنا اليوم يسوع في الإنجيل، لأن الإيمان بمحبة الآب ليس مجرد ثقة بعناية تسلبني مسؤوليتي وحريّتي وإنما هي خبرة الجوهري، إنها اختبار عطيّة الحب التي تخلق في الإنسان طريقة جديدة للرؤية والعمل لأن من يؤمن بإله يبذل نفسه محبة لشعبه يختبر السلام وحرية القلب ليواجه مصاعب الحياة دون أن يُسحق تحتها.

"لا يُهِمَّكُم أمرُ الغَد، فالغَدُ يَهتَمُّ بِنَفْسِه. ولِكُلِّ يَومٍ مِنَ العَناءِ ما يَكفِيه" بهذه الدعوة يختتم يسوع إنجيل اليوم، وبها هو يدعونا لنؤمن بالحب ونعيشه ونتذوقه يومًا فيومًا، مساهمين بذلك في بناء ملكوت الله وتحقيقه. لنرفع إذًا صلاتنا إلى الله ولنستسلم بين يديه ونقدم له أنفسنا وكل ما نملك كذبيحة حب كبيرة ولنهتف مع القديس اغناطيوس دي لويولا قائلين: "خُذْ يا ربّ، وتَقبَّلْ منّي حريّتي، وذاكرتي، وذكائي، وإرادتي، وكلّ ما هو لي وكلّ ما أملِكُ. فأنتَ أعطَيتَني هذه كلّها، وأنا إليكَ أعيدُها يا ربّ. فكلّ شيء لكَ؛ تصرَّف به وفقًا لإرادتِكَ. امنَحني حبَّكَ ونعمَتَكَ؛ فهذا يَكفيني".

 

 

23/02/2017 10:51